عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
512
اللباب في علوم الكتاب
وقيل : ثمّ قول مقدّر ، أي : لا يكادون يفقهون حديثا يقولون : ما أصابك . وقرأت عائشة « 1 » : « فمن نفسك » بفتح ميم « من » ورفع السّين ، على الابتداء والخبر ، أيّ شيء نفسك حتّى ينسب إليها فعل ؟ . قوله : « رسولا » فيه وجهان : أحدهما : أنه حال مؤكّدة . والثّاني : أنه مصدر مؤكّد بمعنى إرسال ، ومن مجيء « رسول » مصدرا قوله : [ الطويل ] 1841 - لقد كذب الواشون ما بحت عندهم * بسرّ ولا أرسلتهم برسول « 2 » أي : بإرسال ، بمعنى رسالة . و « للناس » يتعلق ب « أرسلناك » ، واللّام للعلّة ، وأجاز أبو البقاء « 3 » أن يكون حالا من « رسولا » كأنه جعله في الأصل صفة للنّكرة ، فقدّم عليها ، وفيه نظر . فصل [ في الفصل بين الحسنة والسيئة ] فصل قال الجبّائيّ : قد ثبت أنّ لفظ السّيّئة يقع على البليّة والمحنة ، وتارة يقع على الذّنب والمعصية ، ثم إنّه - تعالى - أضاف السّيّئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله : وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ولا بدّ من التّوفيق بين الآيتين ؛ فنقول : لمّا كانت السّيّئة بمعنى البلاء والشّدّة مضافة إلى اللّه ، وجب أن تكون السّيّئة بمعنى المصيبة مضافة إلى العبد ؛ ليزول التّناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين ، وقد حمل المخالفون « 4 » أنفسهم على تغيير الآية ، وقرأوا : « فَمِنْ نَفْسِكَ » فغيّروا القرآن « 5 » ، وسلكوا « 6 » مثل طريقة الرّافضة في ادّعاء التّغيير في القرآن . فإن قيل : فلم فصل - تعالى - بين الحسنة والسّيّئة في هذه الآية ؛ فأضاف الحسنة الّتي هي الطّاعة إلى نفسه دون السّيّئة ، وكلاهما فعل العبد عندكم ؟ قلنا : إن الحسنة وإن كانت من فعل العبد ، فإنّما وصل إليها بتسهيله وألطافه ، فصحّت الإضافة إليه ، وأمّا السّيّئة ، فهي غير مضافة إلى اللّه - تعالى - بأنّه [ ما ] « 7 » فعلها ، ولا أرادها ، ولا أمر بها ، ولا رغّب فيها . فلا جرم انقطعت هذه النّسبة إلى اللّه تعالى من جميع الوجوه .
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 3 / 314 ، والدر المصون 2 / 401 . ( 2 ) تقدم برقم 651 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 188 . ( 4 ) في أ : المخالفة . ( 5 ) في ب : القراءتين . ( 6 ) في ب : وسكتوا . ( 7 ) سقط في أ .